عبد القادر الجيلاني

195

فتوح الغيب

ثمّ على أيّ شيء تحسده يا مسكين ؟ ! أعلى قسمه ، أم على قسمك ؟ . فإن حسدته على قسمه الّذي قسمه اللّه له في قوله تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ الزخرف : 32 ] ، فقد ظلمته ، رجل يتقلّب في نعمة مولاه الّتي تفضّل بها عليه وقدّرها له ولم يجعل لأحد فيها حظّا ولا نصيبا . فمن يكون أظلم وأبخل وأرعن وأنقص عقلا منك ؟ . وإن حسدته على قسمك فقد جهلت غاية الجهل ، فإنّ قسمك لا يعطى غيرك ولا ينتقل منك إليه ، حاشا للّه . قال اللّه عزّ وجلّ : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق : 29 ] . إنّ اللّه عزّ وجلّ لا يظلمك فيأخذ ما قسم وقدّر لك غيرك ، فهذا جهل منك وظلم لأخيك . ثمّ حسدك للأرض الّتي هي معدن الكنوز والذّخائر من أنواع الذّهب والفضّة والجواهر ممّا جمعته الملوك المتقدّمة من عاد وثمود وكسرى وقيصر أولى من حسدك لجارك المؤمن أو الفاجر ، فإنّ ما في بيته لا يكون جزءا من أجزاء ألف ألف جزء ممّا هناك ، فما حسدك لجارك إلّا كمثل رجل رأى ملكا مع سلطانه وجنوده وحشمه وملكه على أراضي جباته « 1 » خراجها وارتفاعها لديه وتنعّمه بأنواع النّعم واللّذّات والشّهوات فلم يحسده على ذلك . ثمّ رأى كلبا يخدم كلبا من كلاب ذلك الملك يقوم ويقعد ويصيح فيعطى من مطبخ الملك بقايا الطّعام ورداءته فيتقوّت به ، ( فأخذ يحسده ويعاديه ويتمنّى موته وهلاكه وكونه مكانه ) ، وأن يخلفه « 2 » في ذلك خسّة ودناءة لا زهدا ودينا وقناعة ، فهل يكون في الزّمان رجل أحمق منه وأرعن وأجهل ؟ . ثمّ لو علمت يا مسكين ما سيلقى جارك غدا من طول الحساب يوم القيامة إن لم يكن

--> - ورواه الخطيب في تاريخ بغداد ( 2 / 227 ) من طريق الحسن بن موسى الأشيب ، عن أبي هلال ، عن قتادة ، عن أنس . ورواه القضاعي ( 1048 ) والذهبي في ميزان الاعتدال ( 6217 ) من طريق عمر بن محمد بن حفصة الخطيب ، محمد بن معاذ ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي اللّه عنه . وقال الذهبي : هذا بهذا الإسناد باطل . ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( وعلى أراضي واجباته ) . ( 2 ) تحرف في نسخة : ( يخلفه ) .